القائمة الرئيسية

الصفحات


هجرة النبي إلى المدينة

أسباب هجرة النبي إلى المدينة:

مر المسلمون بكثيرٍ من الظروف التي دفعتهم للتفكير بالهجرة إلى المدينة المنورة فرارًا بدينهم ليقيموا دولة الإسلام فيها، و أبرز هذه الأسباب:

1- الهجرة فُرضت على الأنبياء والمُرسلين لضمان نشر الدعوة إلى الله، وحمايتها من بطش الظالمين: فالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يكن أول من هاجر من وطنه بل كان للأنبياء من قبل هجرات؛ كهجرة نوح، وإبراهيم، وموسى عليهم السلام، فالهجرة مطلب دعوي تقتضيه طبيعة النبوة ونشر الرسالة.

2- اشتداد إيذاء المشركين للمؤمنين: ‏حيث طال أذى المشركين جميع المسلمين مع الرسول -؛صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن لهم أحد يحميهم؛ فبلال بن رباح يُجرد من ثيابه ويُطرح على رمال الصحراء الحارقة، ويُؤتى بصخرة تُلقى على بطنه بغية أن يرتد عن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- فلا يزيد إلا أن يقول: أحدٌ أحد، وعائلة آل ياسر قد أذاقتهم قريش سُوء العذاب من الضرب والإهانة والتعذيب الشديد.\

حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر عليهم مرة وهم يعذبون فقال لهم: (صبرًا آل ياسرٍ، فإنَّ موعدكم الجنّةُ)،و ‏قد أذن الله بالهجرة درءًا للأذى والعذاب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه. حصار قريش للمسلمين: تآمرت قريشٌ على بني هاشم، وكتبوا صحيفة المقاطعة، وعلقوها في جوف الكعبة، كان مضمونها ألا نزوجهم ولا نتزوج منهم، ولا نبيعهم ولا نبتاع منهم، كما حاصروهم في الشعب، ومنعوا عنهم طعامهم وأموالهم حتى أكل المسلمون أوراق الشجر من شدة الجوع.

3- ‏تآمر كفار قريش‏ على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم-: ‏فبعد هجرة جميع المسلمين إلى المدينة، وبقاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع نفرٍ من الصحابة في مكة، اجتمعت قريش في دار النَّدوة، واتَّفقوا على قتله جميعًا حتى يضيع دمه بين القبائل، لكن تدبير الله كان لهم بالمرصاد، فحماه، وأوحى إليه ألا يبيت تلك اللَّيلة في فراشه، وجعل عليًا ينام في مكانه، ثم ألقى الله عليهم النعاس فجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج من بينهم ويمر من أمامهم بل ويلقي على رؤوسهم التراب وهم لا يشعرون.

4- ‏ضرورة بناء الدولة الإسلامية: وهذا يتطلب أمَّةً إسلاميَّةً متماسكة، وأرضًا تكون مركزًا رئيسًا لها، وكانت المدينة المنوَّرة هي الأنسب والأصلح لذلك؛ لاستقرار الوضع فيها، وتشابُه اللُّغة والتَّقاليد، والجوُّ العامُّ فيها كان متقبِّلًا ومحبًّا للإسلام، وكان ذلك واضحًا في استقبال الأنصار لهذا الدين ولكل من أتى مهاجرًا، وفي استعداد للبذل والتَّضحية في سبيل الله، وقد هيّأت هذه الأرض وهذه الرحلة المسلمين لظروفٍ أشد، ولتكاليف أكثر يقوم عليها مشروع بناء الأُمة الإسلامية.

فما هي أسباب نجاح الهجرة ؟

نجحت الهجرة -كما يقول د. محمد ويلالي التخطيط في بحثه أساس نجاح الهجرة النبوية- لأن النبي عليه الصلاة والسلام، خطط لها تخطيطا محكما، تحرسه عناية الله تعالى وجميل تدبيره. ودار هذا التخطيط على اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب وحسن توظيف الطاقات. وتجلى ذلك في: اختيار الصديق المناسب، القادر على الإسهام في إنجاح العملية، فكان أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -، وهو دور الكبار، وتجهيز الوسائل الضرورية قبل الموعد بزمن كاف، لتفادي السرعة والارتباك، اللذين قد يحصلان لحظة الهجرة. ولذلك جهزت الراحلة قبل الموعد بأربعة أشهر، وبسرية تامة.، وإتقان دور المخادعة الحربية، لضمان تحقيق المهمة بغير مفاجآت، كتكليف علي بن أبي طالب بالنوم في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -، تمويها على المشركين وتخذيلا لهم، وهذا دور الفتيان الأقوياء، وأيضا إشراك النساء في إنجاح الهجرة بما يناسب دورهن. ودور السيدة اسماء يذكره لها التاريخ بإكبار وإجلال، وأيضا تخصيص حيز للشباب لإبراز دورهم في هذا الحدث العظيم، ويمثله دور عبدالله بن أبي بكر، الذي كان يتقصى أخبار قريش، وينقلها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه وهما في غار ثور. ومن جميل التخطيط، تكليف الراعي عامر بن فهيرة أن يسلك بقطيعه من الأغنام طريق الغار، ليزيل آثار الأقدام المؤدية إليه، ثم يسقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه من لبن غنمه. ومن كمال التخطيط أن اتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عبدالله بن أريقط دليلا عارفا بالطريق ولو كان مشركا، مادام مؤتمنا، متقنا لعمله، ولذلك أرشدهم - بمهارته - إلى اتخاذ طريق غير الطريق المعهودة.

وتبقى أعظم محطة في هذا التخطيط البارع، تهيئ التربة الصالحة في المدينة النبوية، لاستقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فكان لا بد من اختيار عنصر يجمع بين الكفاءة العلمية، والشجاعة النفسية، والجرأة الدعوية، والفطانة التواصلية، بحيث يستطيع أن يدخل الإسلام إلى كل بيت من بيوت المدينة، على أن تتم هذه العملية في غضون عام، فاختار النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه المهمة الجريئة سيدنا مصعب بن عمير، الذي يعد نموذجًا لتربية الإسلام للشباب المترفين المنعمين من أبناء الطبقات الغنية. وهذا الرجل هو الذي سيتحمل مسؤولية فتح قلوب أهل المدينة، وسيكون ما معه من القرآن الكريم، والصوت الندي بقراءته أعظم الأسلحة في إنجاز المهمة. لقد تضافرت جهود مصعب بن عمير مع جهود أسعد بن زرارة، الذي كان أعرف الناس بأهل المدينة وطبائعهم، فانطلقت الدعوة هناك تطرق الأبواب، وتدخل البيوت، حتى لم يبق بيت إلا وفيه مسلم. ولقد أسلم على يدي مصعب بن عمير سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، سيدا بني عبدالأشهل، حتى إن سعد بن معاذ لما شرح الله صدره للإسلام رجع إلى قومه، فقال لهم:«يا بني عبدالأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟». قالوا: «سيدنا، وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة». قال:«فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله». فما أمسى في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.

وعلى رأس السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، سيرجع مصعب بن عمير إلى مكة، ومعه ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، ليبايعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان، وليتهلل وجه رسول الله بهذا الإنجاز البديع، وهذا التخطيط الدقيق، الذي جعل من المدينة النبوية أرض الدين والدولة، منها سيشع نور الإسلام على الكون كله» أهـ. وللحديث بقية.

ن

 


م

تعليقات